محمد متولي الشعراوي
1488
تفسير الشعراوى
لحظة أن تأتى دعوة الخير ، ومن الذي يطمئن ويحسن الراحة لدعوة الخير . إن رجل الدعوة مأمور بدقة اليقظة والإحساس ليميز بين الذي تتغير سحنته لحظة دعوة الخير ، ومن الذي يستبشر ويفرح . وعندما أعلن عيسى ابن مريم منهج الحق ، وجد أنصار الظلم وأنصار البغى ، وأنصار الظلمات غير معجبين بالمنهج الواضح للإيمان باللّه ، لذلك أحس منهم الكفر لقد كان مليئا باليقظة والانتباه . إنه يعلم أنه قد جاء برسالة من اللّه ؛ ليخرج أناسا من مفسدة إلى مصلحة . وعندما أحس منهم الكفر ، أراد أن ينتدب جماعة ليعينوه على أمر الدعوة . « قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ » ؟ إن الدعوة تحتاج إلى معركة ، والمعركة تحتاج إلى تضحية . والتضحية تكون بالنفس والنفيس ، لذلك لا بد أن يستثير ويحرك من يجد في نفسه العون على هذه المسألة . وهو لم يناد أفرادا محددين ، إنما طرح الدعوة ليأتي الأنصار الذين يستشرفون في أنفسهم القدرة على حمل لواء الدعوة ، ولتكون التضحية بإقبال نفس لا استجابة لداع . « فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ » وكلمة « أنصار » هي جمع « نصير » . والنصير هو المعين لك بقوة على بغيتك . وعندما سأل عيسى : « مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ؟ » كانت إلى في السؤال تفيد الغاية ، وهي اللّه ، أي من ينصرني نصرا تصير غايته إلى اللّه وحده لا إلى أهواء البشر ؟ إنه لا يسأل عن أناس يدخلون في لواء الدعوة من أجل الغنيمة أو يدخلون من أجل الجاه ، أو غير ذلك ، إنه يسأل عن أهل العزم ليكون كل منهم متجها بطاقته إلى نصرة اللّه وحده . ومثال ذلك ما دار بين رسولنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبين رجال من المدينة في أثناء مبايعتهم له في العقبة فقد قال لهم رسول اللّه : « أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون فيه نساءكم وأبناءكم » فأخذ الداء بن معرور بيده ثم قال : « نعم ، والذي بعثك بالحق لنمنعنّك ممّا نمنع منه أزرنا » فبايعوا رسول اللّه على ذلك فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول اللّه إن بيننا وبين اليهود حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا » ؟ فتبسم رسول اللّه ثم قال : « بل الدم الدم ، والهدم الهدم أنا منكم وأنتم منى ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم »